عبد الرحمن بدوي

52

أرسطو عند العرب

[ 1 ] إن المتوسط يتوسط على وجهين : فإن منه موصلا ومنه حاجبا « 1 » . وإذا كان المتوسط موصّلا « 2 » ، صار بعد الاتصال كأنه غير متوسط ، لأنه إذا وصل ما يصل بالمتوسط « 3 » فمن حيث وصل لا بمتوسط « 4 » ، وإن كان من حيث به الوصول متوسط . وأما المتوسط الحاجب فهو الذي لولاه « 5 » لوصل الشئ : والخير « 6 » الأول يصل منه إلى الأشياء « 7 » ثلاثة أشياء : أحدها الوجود ، والثاني كمالات الوجود الثانية « 8 » ، والثالث جلية ذاتها ونيلها ومعرفتها على الوجه الذي يمكن . فالمتوسط الموصّل : إما أن يتوسط في الوجود فيكون موصّلا للوجود ؛ وإما أن يتوسط في كمالات الوجود فيكون موصّلا لكمالات الوجود ؛ وإما أن يكون موصّلا لجلية ذاته . فهناك يكون الموصل مرتفعا إذا وصل ، فيكون الشئ « 9 » مشاهدا بجلية الحق مشاهدة بلا متوسط من حيث هي مشاهدة وإن كانت بمتوسط من حيث هي مشاهدة معلولة بجلية الحق غير محتجبة بذاتها عن القوابل . وإن كان القبول لا [ 150 ا ] يقع إلا بتوسط فذلك توسط الإيصال ، وهو رفع توسط الحجب ، فيكون التوسط حينئذ كأنه زوال التوسيط ، وتكون جلية الحق سارية إلى أقصى ما يصح أن ينالها نيل المعرفة - وإن كثرت المتوسطات - سريانا هاتكا للحجب . [ 2 ] جواب الشك أن النفس في حد « 10 » قبليتها لا يجوز أن يكون لها إدراك جزئي معين ،

--> ( 1 ) فإن منه متوصل ومنه حاجب ( 2 ) حاصلا ( 3 ) إلى المتوسط‍ ( 4 ) متوسط‍ ( 5 ) في م ، ت : لولا هو . ويصح أيضا ( 6 ) الجزء ( 7 ) الأشياء : ناقصة ( 8 ) كذا في م ، وينقص في ت ( 9 ) الشرف بهذا الجلية ( 10 ) أو : جد ، كما في ت ( 1 ) : « إن النفس إذا كانت في العالم الأعلى اشتاقت إلى الخير المحض الأول . وإنما يأتيها الخير الأول بتوسط العقل . بلى ، هو الذي يأتيها . وذلك أن الخير المحض الأول لا يحيط به شئ ولا يحجبه شئ ولا يمنعه مانع من أن يسلك حيث شاء . فإذا أراد النفس أتاها ، ولم يمنعه مانع من ذلك ، جرمانيا كان أو روحانيا . وذلك أنه ربما سلك ذلك الخير الأول إلى الشئ الآخر بتوسط ما يليه . فإن لم تشتق النفس إلى الخير الأول واطلعت إلى العالم السفلى واشتاقت إلى بعض ما فيه ، فإنها تكون في ذلك الشئ على قدر ذكرها إياه أو توهمها له » ( ص 23 س 1 س 9 ) ( 2 ) : « فإن قال قائل : إن كانت النفس تتوهم هذا العالم قبل أن ترده ، فلا محالة أنها تتوهمه أيضا بعد خروجها منه وورودها إلى العالم الأعلى ؛ فإن كانت تتوهمه ، فإنها لا محالة تذكره ، وقد قلتم إنها إذا كانت في العالم العقلي لا تذكر شيئا من هذا العالم البتة ؟ قلنا : إن النفس ، وإن كانت تتوهم هذا قبل أن تصير فيه ، لكنها تتوهمه بوهم عقلي . وهذا الفعل إنما هو جهل لا معرفة ، غير أن ذلك الجهل أشرف من كل معرفة . وذلك أن العقل يجهل ما فوقه بجهل هو أشرف من العلم » ( ص 23 س 11 - س 17 ) .